الكتابة ليست ترفاً بل نجاة.
لا أصدق انسانا لا يعترف بضعفه وألمه , ولا أثق بشخص لا يبكي على السرير ثم يضحك لأنه تعب من البكاء . شخصا لا يعترف بضعفه وانكساراته هو شخص لا يعترف بانسانيته ولا يمارسها. أحب الذين لا يخجلون من أن يكونوا بشرا, والذين يعرفون أن النقاء الحقيقي هو أن تعترف أنك غير نقي دائما . هم من يستحقون لحظات صافية من السعادة .
في مراحل الحياة تتغير هوية الانسان ,كما تصبح البلدان بعد الثورات, اما ثابتة وقوية ومتحررة واما ضعيفة ومستهلكة , هُوية الانسان غير ثابتة كما البدان تتغيّر مع الألم , والفقد , والنجاح , والحروب والتجربة. الرؤيا تتغير ايضا , كيف نرى وماذا نريد؟ وماذا لا يناسبنا بعد الان؟ من نحنُ دون من نُحب؟ ومن نحن وحدنا؟ ماذا سنكون بعدهم؟
لماذا أكتب عن هوية الانسان كثيرا؟ تأتي الاسئلة الوجودية بعد شهر مميت مع الألم والفقد . في ثلاثين يوما انكسر قلبي مرتين ,بكيت كثيرا من شدة الألم , لم أحتمله وطلبت أدوية لتساعدني على تخفيفه. بعد مرور هذا الوقت وأنا في خضم الألم , تأتي لحظات سعادة ولحظات حب , أصبر وأقول كل هذا سيمضي . قال لي صديق قديم عليك ان تصبري في هذه الأيام , وبأن حياتك تستحق أن تستمر وأن تكون طويلة, صديقاتي ساعدوا في شفاء قلب مكسور لم يكن هن السبب فيه , حمدا لله بأنني لم أضطر لأخذ أدوية مضادة للاكتئاب ,لأن من حولي كانوا حقيقيين وساعدوني على النجاة.
استقلت من العمل هذا الشهر ايضا لم أكن مستعدة لوداع شيء ثابت اخر من حياتي , لكن هكذا ودعت كل الاشياء الثابتة. ثلاثة بيوت عزاء فتحت في عائلتنا ,جدتي غادرت , أختي نجحت في الثانوية العامة , أختي الثانية ستتزوج , صديقة طفولتي وبنت خالتي ستهاجر ,حبيبي خذلني وغاب , رأيت والدي حزين. في ثلاثين يوما يمكن أن يحصل الكثير لكن لم أعرف بأن الكثير يحتاج أن تروّض قلبك وجسدك على تحمّله. أنا مدركة بأنني غير قادرة على تحمل كل هذا , وأراقب كيف أتغيّر وملامحي تتغيّر . جسدي لا يحملني دائما , قبل ثلاثة أيام بعد حصة البيلاتس صعدت في السيارة وشعرت بانفصال عن المكان , كان حدث مرعب أكثر من اي شيء سبقه ,أعرف بأنه موجود لكن لم أختبره من قبل , عرفت وقتها أنني أحتاج أن اتصل على أحد ليساعدني , اتصلت على المعالجة وساعدتني على الرجوع الى الارض مرة أخرى. كان في وقت الصباح وكان التمرين شديد , جسدي لم يستطع تحمّل الوجع فلم يحملني . هذا يخيفني جدا لأنني أبني علاقة جديدة مع جسدي وأتعرف عليه بطريقة مختلفة ولا أريده أن يخونني .
تعزّينا الأغاني والكتب والافلام والقصص التي تشاركنا التجربة الشعورية , مثلا أعظم لوحات فنية ولدت من الألم , فان كوخ صوّر الألم والصرخة في لوحاته ثم مات منتحرا , البؤساء ضحّوا في أعمارهم من أجل قطعة خبز , دوستوفيسكي حكم عليه بالاعدام وكتب عن ألم الطريق في الحصول على الحرية الفكرية , شهداء الثورات والحروب كانوا يدافعون عن الكرامة والحق. قصص الحب الدموية تنتهي بالألم والموت. كل قصص البطولة تأتي من الألم. علينا أن نعترف بأن الوجود مقرون بالألم ,وربما القصص السعيدة ايضا تأتي من الألم , شخصية الأبطال صنعها الألم . اذا وجودنا مقرون بالألم. نحن نختار معاركنا ومقدار الألم.
يبقى السؤال اين العدالة الاخلاقية من مقارنة الألم ؟ على بعد بضع كيلومترات الناس تموت من المجاعة والقتل , هذا الصباح فقد أحدهم أمه , من أنا لأتحدث عن الالم؟ في محادثة مع زوجة عمي التي تسكن عائلتها في غزة قالت لي بأنها تخاف أن تتصل مكالمة فيديو مع والدتها لأنها خائفة أن ترى جسدها النحيل من قلة الطعام . من يستطيع أن يقارن الألم؟ هل يصغر الألم حين نرى جرح الاخر أعمق؟ أم أننا نتشارك الألم مع الاخرين ؟ وهل الألم له مقياس؟ هل نستخدم آلام الاخرين كعقاب اخلاقي على أنفسنا؟
لم تنمو النبتة في غرفتي منذ عام ، قبل اسبوعين ولدت ورقة جديدة ,شعرت بسعادة كبيرة , من أجل الولادات الجديدة التي تحدث مع أوراق النباتات و الولادات التي تحدث فينا , تعلّمني النباتات كيف أربّي الأمل , وكيف يمكن في ثلاثين يوما أن نواجه الموت والولادة

Leave a comment