في الحلقة الأخيرة من مسلسل “الجنس والمدينة” بكيت كثيرًا. تحديدًا في المشهد الذي ذهب فيه مستر بيغ إلى باريس ليحاول استعادة كاري بعد ست سنوات من الركض والجروح. كانت كاري تعيش مع حبيبها الروسي، الذي اكتشفت لاحقًا أنها لم تحبه حقًا، بل أغرتها معه حياة الفانتازيا والترف. وعندما رأت بيغ، بكت لأنها في تلك اللحظة أدركت أن لا أحد يشبهه، رغم كل السنوات التي قضتها تبحث عن الحب وعن نفسها. كانت دائمًا تعود إليه, إلى الحب المألوف، الكبير، السخيف، والمؤلم، تمامًا بحجم مدينة نيويورك التي احتضنتهما وشهدت فوضاهما.

بيغ تركها مرات كثيرة، لأنه لم يستطع تحمّل شخصيتها أو مواجهة نفسه معها. تزوّج من امرأة “أسهل” جميلة، ناجحة، تعرف ما تريد، ولا تفتعل الدراما. عكس كاري، التي لم تعرف يومًا ماذا تريد. ومع ذلك، في النهاية، أدركا أن ما بينهما كان استثنائيًا، شيئًا لا يمكن استبداله.

يقول بعض النقّاد إن علاقة كاري وبيغ كانت سامة ومليئة بالألم، وأن الحب لا يجب أن يكون مؤلمًا. لكنني لا أرى هذا حكمًا منصفًا. لا يوجد شكل واحد للحب. فبعد عشر سنوات، تزوجا وعاشا نهايتهما السعيدة. ربما لا ينتهي الحب أبدًا، بل يتبدّل شكله. ربما يحتاج أحيانًا إلى الزمن، كي يتعرّف العاشقان على بعضهما من جديد، بشخصيات مختلفة ونضج جديد.

النساء في مجتمعاتنا ما زلن يبحثن عن الحب الخيالي حتى يصطدمن بالواقع، وبما يفرضه عليهن المجتمع من قوالب جاهزة. أعرف أن هذا الكلام يبدو كليشيه ومستهلكا، لكن أليس هذا ما زال يحدث فعلًا؟ الحب الأسطوري ليس سوى مشاهد من فيلم رومانسي، أو بضع سنوات من الوهج قبل الاصطدام بالواقع.

ماذا عن الرجال؟ فالرجال الأقوياء الذين خاضوا تجارب عميقة وازدادت بصيرتهم مع الزمن، يبحثون عن امرأة قوية ومستقلة، تُثريهم وتكشف لهم وجوهًا جديدة من الحياة. بينما الرجال “المتوسّطون”وهم الغالبية يريدون هذه المرأة القوية نفسها، لكن حين يشعرون بالمنافسة أو فقدان السيطرة، يظهر فيهم الجزء الذكوري المخفي. أما الرجال الأضعف… فلن أكتب عنهم بطبيعة الحال.

لا أعرف ما هو الحب تماما، لكنني أعرف أن له أشكالًا كثيرة. كلما كبرنا ومررنا بتجارب أكثر، تغيّر تعريفنا للحب، وصارت حوله تساؤلات أكثر.
ربما يصبح أكثر تعقيدًا من أن “تحب شخصًا فقط”، لأننا -دون أن نعترف -نبحث عن الحب كما نتخيله، لا كما هو. نهرب من أنفسنا من خلاله، وأحيانًا نبحث عن أنفسنا فيه.
وحين نفشل في الحب، نعود إلى ذاتنا القديمة… إلى المألوف، الذي لطالما ظننا أننا تجاوزناه.
يُقال إن الحب يُكملنا، لكن ماذا لو اكتشفنا أننا لسنا كاملين حتى مع الحب؟ربما نحن لا نبحث عمّن يُكملنا أصلًا، بل عمّن يقبلنا كما نحن، عمّن يقف معنا تحت المطر، لا ليحمل المظلّة، بل ليشاركنا البلل.

ربما لم تكن علاقة كاري وبيغ مثالية، لكنها كانت حقيقية. والحقيقة حتى وإن كانت مؤلمة هي ما أريده دائمًا.
في النهاية، لا أظن أن الحب وُجد ليكون مثاليًا،بل ليكشف لنا ما نحاول إخفاءه عن أنفسنا.

الحب مرآة، نرى فيها هشاشتنا وقوتنا في الوقت ذاته،نرى خوفنا من الفقد، وشغفنا بالحياة، وطفلنا القديم الذي لا يكفّ عن الحلم. وربما بعض القصص لا تنتهي حين نفترق، بل حين نفهم لماذا لم نستطع البقاء

Posted in

Leave a comment