حياتنا ليست سوى بحث طويل عن حب عظيم .ربما حبّ واحد لا يكفي لكل السنين، وربما الحب العظيم عند البعض هو الأبدية ذات النهاية السعيدة. وربما لا يكون عظيمًا إلا إن انتهى بألمٍ كبير، كي نتذكّر أنه كان عظيمًا حقًّا.

غنّى الشيخ إمام للحب في أغنيته “أنا أتوب عن حبك”. قال إن كان أمل العشّاق هو القرب، أنا أملي في حبك هي الحُب. لا أستطيع سوى أن أوافق الشيخ في مخاطبته للحب. فالحب العظيم يبقى وإن غاب الحبيب، يبقى.

هذه الأيام غريبة. لم أعش في حياتي مثل هذه الحقبة. لقد استغرق الأمر سبعة وعشرين عامًا حتى أفهم شخصيّتي الحدّية، وأدرك أنني لست مجنونة كما ظننت. كل السنوات الماضية عشت كأنني على خشبة مسرح، أراقب الجميع يؤدّي دوره بإتقان، وأنا الوحيدة التي تكتفي بالمشاهدة بصمت، ولم تحفظ النص.
كنت أنزلق إلى داخلي، إلى عالمي الموازي. كل شيء يدور من حولي وأنا ثابتة، أراقب فقط. أحاول الاندماج وأخاف أن أختفي.

بعد عدّة زيارات للطبيب النفسي، قال لي: “أنت مختلفة”. كنت بحاجة إلى تفسير لما يحدث في رأسي الصغير، وهذا هو ببساطة أنا مختلفة. لا أرى الأشياء كما يراها الآخرون. ارتحت قليلا من الحكم على نفسي.

لا أعرف كيف تكون منطقة الوسط. أعرف فقط الحب الكبير والغضب العميق. أعرف السيّئ والجيد. أتقن التصنيف فقط. لا أعرف إلا أن أذوب في الآخر أو أن أغضب وأختفي.

في علاقاتي السابقة كنت أشعر بالملل والاكتفاء سريعًا، وكأن الناس ينبغي أن يُستبدلوا. عشت قصصًا وتجارب خيالية كالأفلام، وهذا ما كنت أريده: أن أعيش فيلمًا له نهاية محدّدة. لم أبحث يومًا عن علاقات تستمر. كانت تغريني العلاقات المؤقتة، ولم يعنني كيف ستكون النهاية. نادرًا ما تأثّرت بغياب أحدهم، إذ ببساطة سيظهر شخص جديد.
لكن في النهاية، كنت أشعر بالوحدة. اعتدت أن أبكي ليلًا حتى أنام. كنت أشعر أنني غريبة وأبحث عن شيء لا أعرفه.

ثم جاء يومٌ تعرّفت فيه إلى أحدهم. ظننته تجربة خيالية أخرى أضيفها إلى قائمتي، لكنه لم يكن كذلك. هذه المرّة وقعت في الحب العظيم فعلًا. وجدت ما كنت أبحث عنه وطنًا جديدًا يتمثّل في بيت صغير يشاركني إياه قلب آخر. منزل نملؤه بحبّ يعادل ما يعانيه شعبنا من الألم والوحدة، وطن يحتضنني بيديه الكبيرتين.

إن كنت محظوظًا، ستعيش الحب العظيم مرّة أو مرّتين في حياتك. أما أنا، فعشته لأوّل مرّة قبل سنتين مع هذا الإنسان. لم يكن حبًّا عاديًّا، بل كان مجنونًا، عاصفًا، كالحب المحرَّم
الشخصية الحدّية لا تعيش حبًّا عاديًّا. حين تحبّ، تذوب وتغرق، ولن يكون بمقدورها النجاة. وأقول النجاة لأن الوقوع في الحب يعني أنني أفقد السيطرة على نفسي، وأن المخاوف ستزداد. وهذا يعني أن عليّ أن أتّبع قواعد الحب، وذلك ما أخشاه.

أيامٌ أحبّه وكأنّه آخر يوم لنا في الحياة، وأيامٌ أخرى أكرهه وأتمنى أن أختفي. يومًا أرغب في الانتقال للعيش معه، ويومًا آخر لا أريد سوى مخيّلتي ونفسي.
ماذا يعني أن تكون شريكًا بعد كل هذه السنين التي قضيتها مع نفسي؟ وماذا يعني أن تعيش كل هذه التقلبات في أوّل علاقة طويلة؟

كانت هذه العلاقة آمنة في بدايتها، ومع الوقت شعرت بالثقل حتى تحوّلت إلى شيء أرغب في التخلّص منه.

أحيانًا أفكّر أنني أحبّ الألم، بل أدمنه. حين أتألّم أشعر أنني حيّة، وكأن الألم إثبات لوجودي . في هذه الأسابيع لم أتألّم، أشعر أنني منفصلة عن الدموع وعن الألم. هل انتهت دموعي في الشهور الماضية؟ أم أن الأدوية تخفّف أصواتي الداخلية؟

هذه الأيام أقضي إجازتي في البيت وحدي ، علبتان من بن اند جيريز ( تشانكي منكي)، مسلسل الجنس والمدينة (الجزء السادس)، والكثير من الأكل العاطفي. وأيضًا الكثير من اكتشاف الأغاني الجديدة.
الأغاني بالنسبة لي ليست متعة فحسب. أعيش داخل الكلمات والألحان، تمامًا كما أفعل في الأفلام والمسلسلات. في هذه المرحلة أتواصل كثيرًا مع شخصية كاري برادشو. تشبهني في انفعالاتها، في غضبها، في حبّها المؤذي. وأراه أمرًا جميلًا أن ترى أجزاء منك في كلمات أغنية أو في شخصية ممثلة.

قلتُ لصديقتي مؤخرًا إنني أعيش في فقاعة تطير. لا أعرف كيف أعود إلى الأرض لأتجذّر من جديد. لكنني سعيدة وأنا أطير. ربما لست بحاجة إلى جذور الآن.
أصدقائي يتغيّرون في كل مرحلة من حياتي، وهذا جزء من طبيعتي: أن أختفي حين أكتفي، أو حين أجد من يلائمني أكثر. أنجذب إلى الصداقات الغريبة، الغامضة، التي تحتاج إلى تفكيك شيفرات. والأصدقاء بالنسبة إليّ يمكن أن يُستبدلوا كما الأحبّة السابقين. وهذا مؤلم وأناني. لا أعرف كيف أتقبّل الاختلافات، أو كيف لا أفقد اهتمامي بالآخرين حين أعرفهم عن قرب. وبانكشافٍ أكثر حين تنتهي مصالحي.

قال لي هذا الحب العظيم إن شخصيّتي تتغيّر كل عدّة شهور. لم أكذب حين قلت إنني لم أكن مدركة لهذا التغيّر. ربما كان محقًّا.
لن أجلد نفسي. أعرف أن العيش معي يشبه ركوب الأمواج مشاعري بين المدّ والجزر من دون تحذير.

إلى هذا الحب العظيم:
لم يحدث شيء في تلك الصورة كما كتبتُ لك. كانت إحدى نوبات الغضب التي تظهر بعد الانفصال والغيرة. لن أخون هذا الحب. وهذه المرّة في حياتي، لن يكون هناك بديل

Posted in

Leave a comment