“يأتي الحزن كموجات، كنوبات، كإدراكات مفاجئة تُضعف الرُكب، وتعمي العيون، وتمحو تفاصيل الحياة اليومية.”
جدّتي كانت طفلة صغيرة حين أجبرها والدها على الزواج في سن الثالثة عشر من رجل غريب يكبُرها بسنوات ، جدّتي كانت طفلة وكانت تريد أن تلعب وتصرُخ وتبكي وتذهب إلى المدرسة كلّ يوم، لكنها أصبحت زوجة وأم. في ذلك الوقت لم يكُن مُتاحاً أن تتزوج في هذا السّن فاستعاروا “بكوشان” أي بطاقة تعريف أُختها الأكبر التي ماتت وهي صغيرة ، كان أسمها عزيزة ، أصبحت جدّتي هي عزيزة وتاريخ ميلادها هو ميلاد عزيزة. عاشت جدّتي منذ ذلك الوقت دون اعتراف حقيقي بوجودها ك”نعيمة”.
استشهد جدّي في الانتفاضة الأولى وهي في أوائل الثلاثينات ، ربّت أولادها الأربعة وعلّمتهم وحدها ، بنَت بيت العائلة من ورثة والدها “الناقصة” ومن عملها كخيّاطة ، كانت تُعلّم الفتيات الصغيرات الخياطة والتطريز ليصنعوا أثواب ويكسبن رزقهن، كانت تدعمهنّ للاستقلالية .
كانت جدّتي تُحضّر الطعام للفدائيين في الإنتفاضة الثانية وتُخبئهم في منزلها ، كانت قويّة ولا تخاف من خطر ممكن أن يُصيبها من هذا الفعل. كانت مُقاومة وصادقة.
فقدت جدّتي نعيمة ابنتها الوحيدة بعد مرضها في المرض “الخبيث” وهي في سن السادسة والعشرين ، كانت ابنتها هي عيناها وأرجُلها، فقدتهم.
كانت تقول لي حين تشعُر بالقهر والحُزن العميق بأنها تكتُب خواطِر على ورقة وتحرقها ، تحرق الألم بقدّاحة كي يذوب وتعود من غير آلام مرّة أخرى.
جدّتي ناعمة ورقيقة ، اشترت غيتار وهي في الخامسة والستون من عُمرها وبدأت تتعلم عن طريق اليوتيوب ، لديها هوايات ناعمة كانت ترسُم بألوان الزيت ، تصنع الدُمى من الصوف ، تبتكر تصميم مجوهرات مع أعمالها بالتطريز الفلسطيني.
كانت تُحب فريد الأطرش ، كان صوته وأغانيه يُذكروها بشيء عميق غالباً لم تكن تعرف ما هو، ربّما صوت الرجال الذين فقدتهم والذين احتاجتهم في وِحدتها.
كان حُلم جدّتي الطويل والممتد أن يعود بها الزمن وأن تُكمل تعليمها وأن تتعلّم كيف تقول لا.
جدّتي الصادقة الوفيّة ، سأُخلّد ذكراكِ ، وأحكي قصصك ، سأحملُ أحلامك ، سأمشي بها.
سأكون صادقة وقويّة ومُتجذّرة كما علّمتيني.
مع السلامة يا حبيبتي ، يا شمسي ، يا رفيقتي التي ستبقى.
الله معك
Leave a comment